An Egyptian living in Europe but her heart stayed back home. Having some random thoughts about the before and after pictures. Ghawayesh means bracelets. In my context it symbolizes the cuffs of my culture. I don't know if I like them or hate them. Thanks for passing by.

About Me

My photo
I started this blog in 2006 as a joke. Now that I look back, I have decided to take it seriously!

28 August 2010

Blast From The Past.. حكاية من بيت جدي .. محاولة فاشلة للكتابة

وقفت كعادتها عصر كل يوم أمام باب البيت تحدق الى اليسار تارة لتراقب مطلع الطريق، والى اليمين تارة لترى الجانب الممتد من الشارع الترابي الطويل الذي يحتل أكثر من نصفه على كلا الجانبين بيوت جدها المهيبة. كل بيوت القرية كانت من الطين الني ماعدا بيت واحد بني على طراز فخم من الحجر الأحمر من أربعة أدوار وبأحدث الخامات: الواجهة بيضاء بخطوط برتقالية تزين الشرفات التي هي مبالغة في اتساعها وكأنها صممت خصيصا لتستقبل حفل عرس أو واجتماع أكابر القرية كل يوم، مطلة على حديقة في حجم ملعبي كرة قدم مليئة بأشجار الليمون وتحيط بالبيت من كل جانب.. فكرة أشجار الليمون مختارة بعناية لكي تبعد الناموس والهاموش عن ساكني المنزل- ولكن كانت مشكلتها الوحيدة انها فشلت في النمو بجدارة .. البوابات الحديدية الضخمة ذات المقابض الذهبية كانت في مداخل البيت الداخلية، أما المداخل الرئيسية عند السور الطيني المصمت العالي المحيط بالبيت كأنه قلعة حصينة، فكانا بوابة خشبية تسمح بدخول العربات عند الشارع الرئيسي من الناحية الجنوبية، والثاني لم يكن سوى باباً خشبياً حقيراً يسهل دفعه يقع في الناحية الشرقية من البيت. في الجانب الخلفي من حديقة المنزل يقبع مولد كهرباء ضخم يعمل بالجاز ويوفر الطاقة الكهربائية لمنزل عمره ثلاثون عاما في قرية دخلتها الكهرباء بعدما دخلته بنصف قرن على الأقل.



كان هذا البيت هو بيت جدها، الباشمهندس أحمد بك عبد الجبار عدوي . انقضى عهد الألقاب الملكية من زمان وجاءت وولت سنين الثورة والنكسة والعبور، ولا زال الباشمهندس أحمد بك متعلقاً بلقبه الذي كان في نظره هو وقرابته من بعيد لعبد البديع باشا عدوي في نفس مكانة وقدسية شهادة الهندسة المعمارية التي حصل عليها من المهندسخانة بالعباسية.

هذا المنزل الكبير الواسع الشرفات الذي كان عمره في ذاك الوقت أكثر من ثلاثين عاماً كان يطلق عليه اسم "البيت الجديد". كان ولا زال البيت الجديد حتى وان أصبح عمره ثلاثة عقود. واستمر يحمل لقبه بجدارة الى يومنا هذا، حيث قارب عمره على السبعة عقود - ولا زال البيت الجديد.

البيت الجديد صممه وأشرف بكل دقة على بنائه الباشمهندس أحمد بك فور تخرجه وحصوله على شهادة الهندسة المعمارية وزواجه. كانت الأرض هدية زواجه من والده و جزءا من ميراثه الذي يكاد لا يعد ولا يحصى من أموال وأراضي وعقارات وبهائم ومجوهرات. ميراث الباشمهندس أحمد بك كان من المفروض أن يكون أقل بكثير لولا أنه رزق بأخوات بنات وأخ واحد من الأم لم ينلهم من الحظ جانب. فالبنات أي نعم قد يرثن النصف شرعاً، لكن الأرض عرض ولها شأن آخر لا يقدر بمال. ومادامت المسألة بها أرض، فهناك مئة ألف سبب ووسيلة ألا ترث البنات منها حبة تراب واحدة، فهن سيصبحن في عصمة رجال وهم المسئولون عنهن، وهن لا يحملن اسم العائلة وذريتهن قطع خلف وألف تلف.

كانت الفكرة الأساسية أن يتم بناء البيت بالتدريج ليتسع لكل طفل يولد ليكن له في المستقبل شقة في البيت يبدأ فيها حياته العائلية. الدور الأرضي لسكني الأب والأم واستقبال الضيوف في الشرفات والصالات الواسعة، وكل دور يحتوي على شقتين ومع كل طفل وأثناء حمل الذي يليه يتم الارتفاع بالمبنى دور واحد بشقتين. كانت الخطة تسير على ما يرام حتى أتت رياح الموت المبكر لتحصد من حصدت من الذرية.


البيت الجديد كان له ذلك الباب الخشبي الضعيف وبه ثقب يمر به من الناحية الخارجية حبل مهتريء به سقاطة تغلقه من الداخل. اذا عبرته لا بد أن تحترس من حافة عتبته المدببة بنت الكلب التي اذا وقعت عليها فستشج ركبتك أو رأسك الى أبد الآبدين. العتبة كانت عبارة عن قاعدة من الطين الني بعرض حوالى نصف متر ، مثبت بها قاعدة برواز الباب التى استدعى الأمر أن تكون مدببة لسبب ما يجهله الرائي. هي حكمة لا يعلمها الا أحمد بك الذي كان لا يكسر كلامه أي مخلوق والا كسر صف أسنانه أو أي شيء آخر قابل للكسر في جسمه.

في داخل البيت الجديد من ناحية المدخل الشرقي مساحة في الحديقة لمجلس على مصطبة من الطين. لم تكن هذه المصطبة أبدا قد المقام مقارنة بهذا البيت الرائع، وبرغم ذلك كانت هي الأكثر استعمالاً عندما يكون الجو طراوة والنسيم عليل حيث يمكنك الجلوس للتمتع بمنظر الحديقة المزعومة. ولكن لا يغرنك النسيم يا صاح، فالمكان ملقف ناموس وبراغيث محترم وبالذات النطاطين من مصاصي الدماء كانوا يرتعون في جنان الحصير الملقى على المصطبة في انتظار وجبة الدماء اليومية من أذرع وسيقان مزارعي القرية ذوي الجلاليب الواسعة الاكمام والذيول
، أما الناموس الأقرع فلم يخفه يوماً شجر الليمون العبيط المصاب بالاكتئاب وسوء التغذية. كان الجميع يجلسون بلا بمبالاة يتسامرون طوال الليل وكأن جلودهم نحست من كثرة اللدغ والقرص. الانسان والحشرات بل وجميع الطفيليات الأخرى يعيشون في علاقة تآلف بديعة في ريف مصر. لا تجد من يعترض او يتأفف أو يتأرق نومه الا دخيل من زوار المدينة لا حول له ولا احتمال للعضات المتوالية، اللهم الا لحنش من ذوي الفك المفترس - يجعل كلامنا خفيف عليهم- حيث يأتون بالذكر وعلى السيرة، حيث أنهم - سلام قولاً من رب رحيم يعني- جن مسخر في صورة ثعابين من سلالة خدم سيدنا سليمان. وكان الحل الوحيد اذا وجد واحد منهم في البيت أن يتم استدعاء الشيخ المقريء ليقرأ عليهم ما تيسر من القرآن الكريم فيفرون مذعورين - وربما يعودون مرة أخرى ولكن بعد زمن طويل من مغادرة المقريء المبارك وفي جعبته الكثير من نفحات الشكر والتقدير لخدماته الجليلة في هيئة هدايا رمزية أهمها بيض وحمام وعيش و أرز وبصل وثوم في أجولة بيضاء مصنوعة من ألياف بلاستيكية مميزة مكتوب عليها بلون أزرق واضح أنها شكائر شركة الأسمنت.

بعد المصطبة تجد الباب الجانبي الداخلي للبيت وهو تلك البوابة الخضراء الحديدية المزركشة ذات المقبض الذهبي. كان لهذه البوابة مفتاح واحد فقط يقبع في غرفة نوم الباشمهندس أحمد بك. وراء البوابة كان هناك مدخل كبير المفروض انه يؤدي الى الدور الأرضي من البيت من الناحية الخلفية - ولكنه لم يكن يؤدي الى شيء غير جبل من الغلال يلامس السقف. هذا المدخل كان يستخدم كمساحة لتخزين الغلال عملاً بالمبدأ المصري الأصيل الذي يحث على الحرص على استغلال كل حفرة ومساحة في شيء مفيد.

فاذا أردت أن تدخل البيت الجديد كان عليك أولاً أن تحصل على موافقة بالحصول على مفتاحه من أحمد بك عبد الجبار، ولكي تحصل عليه فان عليك أن تحصل على مفتاح غرفة نومه التى بها غرفة صغيرة لتخزين المفاتيح والأسلحة. لك طبعاً أن تتخيل أن هذه الغرفة داخل الغرفة كان لها أيضا مفتاح يجب الحصول عليه. العملية كانت معقدة جدا وشبه مستحيلة ، وكان الحصول على مفتاح البيت الجديد ليس بيد أحد غير الباشمهندس أحمد بك. وكان الحصول على موافقته للحصول على المفتاح مغامرة تشبه الى حد كبير الروليت الروسي ولكن بدلا من المسدس كان البديل صفعة أو شلوتاً لا تدري من أين ولم ومتى يأتي ولكنه سيأتي - اجعل ثقتك بالرجل كبيرة - فهو سريع الاشتعال وغضبه لا مفر منه مهما حاولت أن تتبع القوانين، فهي تختلف كل يوم بحسب المزاج، وان كانت لها قواعد أساسية ثابتة الى حد بعيد: الا وهي انه هو الوحيد الآمر الناهي وأن كل شيء في الأصل سيغضبه فحذارى يا خفيف منك له.
الحياة في بيت الباشمهندس كانت أشبه بنوع من اللغز الكئيب المحبط الذي لا يعطيك أي مساحة للحلم ولا للابداع. لا ، لم تكن الحياة بهذه الوردية للدقة يعني، بل كانت كنوع من سجون العصور الوسطى تقشعر فيه ابدان ساكنيه من الرعب مع كل لحظة يعيشونها.
ان هو تكلم وأمر ونهى فعليك ان تخرس خالص وتظل خارساً حتى في غيابه لأن الحيطان لها ودان وهو قد يدخل عليك وأنت نائم ويرنك علقة لسبب لا يعلمه الا هو ولا يذكره لك أيضاً. انضرب وانت ساكت لأنك لو اعترضت بصرخة ألم حتى فستزيد العقوبة وربما اتحدفت خارج البيت وأغلق الباب عنك بالترباس- فالتربية تحكم .

فاذا كنت من المحظوظين بزيارة البيت الجديد ودخلت من الباب الشرقي الصغير وعبرت العتبة سالما، كان عليك ان تسير في الحديقة بمحاذاة المصطبة، وبما ان مدخل البوابة الحديدية لا أمل منه، فان عليك ان تنعطف الي اليسار بموازاة الحديقة على يسارك وجدار شرفة الدور الأرضي على يمينك لمسافة عشرين مترا، ثم تنعطف لليمين حول الواجهة الامامية للشرفة وتسير حوالي ٢٠ مترا، ثم تنعطف مرة اخرى لليمين لتصعد سبع درجات السلم المؤدي للشرفة الواسعة، ومنها الى الباب الرئيسي لشقة الدور الأرضي

فتح الباب الخشبي الثقيل بلون القرفة الفاقع كان يستدعي الكثير من العنف والشد والجذب ، تليه استراحة لثوان لالتقاط الأنفاس ، ثم معاودة المحاولة لمدة دقائق طويلة. ربما كانت الرطوبة القادمة من الأرض الزراعية التي تجعل هذا الباب يتمدد صيفا وشتاءا، وربما كان الترباس صدئا، وربما هناك عيب ما في المبنى، وربما أشياء أخرى جعلت الباب صعب الفتح. بل انه ربما كان هناك عفريتا سخيفا يحب ان يقرفص وراءه ويزنقه بمؤخرته ويقهقه في سره كلما دفع أحد الداخلين الباب.

يكاد الناس يقسمون أن البيت الجديد به عفاريت. لم يدخل أحد من أهل القرية البيت الجديد قط. المحظوظ منهم كان يفوز بجلسة مسائية على مصطبة المدخل الشرقي ذات الحصير أبو براغيث - أما دخول البيت الجديد فهو كان حلم للجميع ولم يسمعوا أبدا عن شخص دخله وعاد اليهم بالخبر اليقين. كانت كل القصص التي يتناقلونها عنه كالأساطير. يقال أن به آخر التطورات العصرية من راديو وتلفزيون وتليفون بل وربما ثلاجة وغسالة. نعم، هناك من تناقل حكاية أن هناك مكنة تضع فيها الغسيل القذر فيخرج منها نظيفاً. معجزة كهذه ليست بكثيرة على مكان كبيت الباشمهندس بك أحمد عبد الجبار، وهو الوحيد الذي رأى مصر بل وله فيها بيت في وسط البلد. جبار فعلا في مقدرته وعلمه هذا الرجل. اشاعة الغسالة هذه زرعت الرعب في قلوب أم سعيد الغسالة البشرية طبعاً، ولكنها تنفست الصعداء عندما علمت أن هذه المكنة لن تحتل مكانتها أبداً لأنها سمعت أن الغسالة ستظل جديدة في الحفظ والصندوق كعادة أي شيء آخر جديد يدخل البيت الجديد.

ربما كانت حكايات البيت الجديد تمر مرور الكرام من آن لآخر في قعدات السمر المسائية أمام منازل الفلاحين، الذين كان أغلبهم يؤجرونها من الباشمهندس - حيث كانوا أيضاً يعملون بالسخرة في أراضيه الممتدة حتى الأفق. كانت حياتهم بسيطة وقريبة من الأرض كثيرا. كانوا ينامون على الأرض ويأكلون على الأرض ويزرعون الأرض ومنها أتوا و إليها يعودون. حتى مشيتهم ونظرتهم وقعدتهم كانت متجهة للأرض أو نابعة منها وكأنهم أشجار تضرب جذورها المكان. ربما لم يملكوا بيوتهم الطينية الخاوية التي تأويهم من حر الصيف ولا تفيدهم بشيء يذكر في برد الشتاء : ولا الأرض التي يزرعونها ويحصدونها، ولكنهم كانوا راضين قانعين مخلصين لأنهم يأكلون ما يزرعون وما يحصدون. كانت أياديهم الخشنة وأقدامهم المشققة ووجوههم الملوحة بعلامات الشمس ترسم لوحة رائعة لا يقدرها الا فنان عظيم. الجميل في الأمر أن السيدات كن يعملن بنفس القوة والعزيمة كالرجال وان اختلفت الأدوار أو تشابهت، فكانت السيدات يعملن بين البيت والحقل بلا كلل وبنظام ودقة كالنحل الشغال. البيت ينظف والطعام يطهى والعيال يأكلوا ثم يجهز العامود ويؤخذ الى الزوج في الحقل ساعة الظهيرة ليأكل ثم عودة الى المنزل للراحة ثم جلسة مسائية أمام البيت بكوب من الشاي والقاء التحية على الرائح والغادي والتي كانت دائماً: "يعافيكوا ، اتفضلوا" ممطوطة وان كانت حميمة في أغلب الأحيان. كانت حياة بسيطة وعيشة راضية. فلاح يتزوج وينجب أطفالاً يساعدونه في زراعة الأرض ينامون ويأكلون ويزرعون ويحصدون ويتكاثرون ثم يموتون ويأتي من بعدهم أولادهم ليعيدون الكرة. هذا كل ما في الأمر. منذ آلاف السنين هذا هو الحال بحذافيره.





كان حلمهم الوحيد المسموح به هو الخروج من البيت سالمين لبدء حياة أخرى في بيوتهم على الجانب الآخر من الشارع على الأقل.

في البيت الجديد.

أولاد الباشمهندس أحمد بك عبد الجبار لم يعيشوا يوما واحدا في البيت الجديد منذ بني منذ ثلاثين عاماً.

2 comments:

samehrocks said...

Ma teegy ya bet America nehayes shewaya sawa w seebek men el kalam da?

Ghawayesh said...

** ***!ا الى سامح

FEEDJIT Live Traffic Feed